قصة من التاريخ│من الرفض إلى القبول.. رحلة الكرة البيضاء في تاريخ كرة القدم

اليوم، تبدو الكرة البيضاء جزءًا طبيعيًا من كرة القدم، لكن استخدامها لم يكن أمرًا مقبولًا دائمًا. ففي عام 1927، ظهرت فكرة استبدال الكرة الجلدية البنية بأخرى بيضاء، إلا أنها قوبلت بالرفض والسخرية، واعتبرها البعض مجرد موضة لا حاجة للعبة إليها.

وبدأت القصة في نهاية يوليو 1927، عندما كتب إي إل روبرتس إلى صحيفة أتلتيك نيوز مقترحًا تغيير لون الكرة، معتبرًا أن البيضاء ستكون أكثر وضوحًا وستضيف مزيدًا من الإثارة للمباريات. أعجبت الفكرة محرر الصحيفة إيفان شار، الذي نشر الرسالة وأيد مناقشة الاقتراح، خصوصًا مع صعوبة رؤية الكرة في الأجواء الغائمة.

ولفتت الفكرة اهتمام عدد من المدربين، ومن بينهم هربرت تشابمان، لتبدأ تجربة الكرات البيضاء في المباريات الودية خلال فترة الإعداد. لكن النتائج لم تكن مشجعة، ففي ريدينج، رأى الحكم وقائد الفريق أن الكرة لا تقدم ميزة واضحة، بينما وصف مدرب الفريق الفكرة بأنها هراء ومجرد موضة.

وتكررت الانتقادات في ملاعب أخرى. ففي كلابتون أورينت اشتكى اللاعبون من صعوبة رؤية الكرة في الطقس الرمادي، بينما فقدت الكرة البيضاء لونها سريعًا في هدرسفيلد. وفي أرسنال، أظهرت التجربة أن الكرة كانت واضحة للمتفرجين، لكن اللاعبين واجهوا صعوبة في التحكم بها ومتابعة مسارها في الهواء.

وبعد انتهاء التجارب، قال تشابمان إن استخدام الكرة البيضاء لم يكن ناجحًا بما يكفي لتبرير التخلي عن التقاليد، فعاد الدوري إلى الكرة البنية، وبدا أن الفكرة قد انتهت.

لكنها عادت إلى الواجهة بعد سنوات، خصوصًا مع تطور المباريات التي تقام في ظروف إضاءة مختلفة. ففي عام 1949، استُخدمت كرة بيضاء خلال مباراة إنجلترا وإيطاليا على ملعب وايت هارت لين مع تراجع الضوء، بناءً على إصرار رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم آنذاك، السير ستانلي روس.

وفي العام التالي، استمرت التجارب باستخدام كرات بألوان مختلفة، قبل أن تأتي نقطة التحول عام 1951. فقد سمحت رابطة كرة القدم الإنجليزية باستخدام الكرة البيضاء، بعدما تم التوصل إلى طريقة جديدة لصناعتها تعتمد على طبقة من الطلاء الأبيض وأخرى من السليلوز لحمايتها.

واكتسبت الكرة البيضاء ميزة مهمة لم تكن متوقعة، إذ أصبحت أكثر مقاومة للماء، على عكس الكرات الجلدية التقليدية التي كان وزنها قد يزداد بنسبة تصل إلى 20% في الأيام الممطرة. وظهر أثر ذلك سريعًا، ففي مباراة بين إنجلترا وويلز عام 1951، تحولت الكرة البيضاء إلى عامل مساعد بعدما كان اللاعبون يعانون مع كرة جلدية مشبعة بالماء على ملعب موحل، لتنتهي المباراة بفوز إنجلترا 4-1 بعد أن كانت متعادلة 1-1.

ومع مرور الوقت، بدأت الكرة البيضاء تثبت قيمتها، خاصة للاعبين الذين يعتمدون على التمرير القصير والمهارات الفنية، وفي عام 1953، أوصى الاتحاد الإنجليزي باستخدامها منذ بداية المباراة أو عدم استخدامها، ثم جاء كأس العالم 1958 لتصبح أول نسخة تستخدم فيها الكرة البيضاء.

وهكذا، احتاجت الفكرة إلى أكثر من ثلاثة عقود حتى تنتقل من اقتراح قوبل بالسخرية عام 1927 إلى ابتكار معتمد في أكبر بطولة كروية في العالم، لتتحول الكرة البيضاء في النهاية من موضة مرفوضة إلى جزء أساسي من شكل اللعبة الحديثة.

أضف تعليق